ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

139

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

تنبيه : أقول : اعلموا أيها الإخوان في الدين أن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة وإنما أنزل آدم عليه السّلام إليها عقوبة فاحذروها ، فإن الزاد منها تركها والغنى فيها فقرها ، لها في كل حين قتيل والعزيز بها غدا ذليل ، تذل من أعزها وتفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن فيها كالمداوي لجراحته يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ، فاحذر هذه الدار الغرارة الختارة التي قد تزينت بخدعها وتحلت بآمالها وتشوقت لخطابها وفتنت بغرورها فأصبحت كالعروس المجلوة ، فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها وآلهة والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ولا الآخر على الأول مزدجر ولا العارف باللّه حين أخبره عنها مدّكر ، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فبغى ، شغل فيها لبه حتى زلت قدمه وعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه وحسرات الفوت بغصته ، فذهب بكمده ولم يدرك فيها ما طلب ولم يفرح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد ، فينبغي للعاقل أن يحذرها وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلّما اطمأن منها إلى سرور أشخصه إلى مكروه ، فالسار فيها غار والنافع فيها غدا ضار ، قد وصل الرخاء فيها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء فسرورها مشوب بالحزن لا يرجع منها ما ولّى فأدبر ولا يدري ما هو آت فيستنظر ، أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفرها كدر وعيشها نكد وابن آدم منها على خطر إن عقل فهو من النعماء على خطر ومن البلاء على حذر ، فلو كان الباري ( سبحانه ) لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ونبّهت الغافل ، فكيف وقد جاء من اللّه ( عزّ وجلّ ) عنها زاجر وفيها واعظ ، فما لها عند اللّه قدر ولا وزن وما نظر إليها منذ خلقها . ولقد عرضت على نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمفاتيح خزائنها لا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة فأبى أن يقبلها وكره أن يخالف على ربه أمره أو يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه ، فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لأعدائه اغترارا ، فيظن المغرور بها القادر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع اللّه ( تبارك وتعالى ) بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين يشد الحجر على بطنه ، ولقد جاءت الرواية عن اللّه ( تعالى ) أنه قال لموسى : إذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، وإن شئت ثلثت بصاحب الروح والكلمة ابن مريم عليه السّلام كان يقول : إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وصلائي في الشتاء مشارق الشمس وسراجي القمر ودابتي رجلاي